• ×

08:52 مساءً , السبت 17 نوفمبر 2018

السفرة السعودية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
دخلت ذات مرة بمناسبة اليوم العالمي لداء السكري على موقع "جوجل" للبحث عما في الشبكة العنكبوتية عن "السفرة السعودية". فأنا أعدها أحد أهم المتهمين في التسبب في كون واحد من كل أربعة سعوديين مصابا بالداء، وفي أن 50% من السعوديين سيصابون به خلال 10 15 سنة. وإليكم مقتطفات مما ظهر لي من البحث: الكبسة"عروس" السفرة السعودية....السمبوسة "شيخة"السفرة السعودية. كما وجدت مقالاً جاء فيه (..... إلا أن حضور اللبن والخضروات والسلطات في السفرة السعودية ضعيف، وقد غزتها المشروبات الغازية...).
وليلة اليوم العالمي نفسه دعيت إلى العشاء في منزل أحد الزملاء، وكنا أكثر من أصدقاء ولا كلفة بيننا، ومع ذلك فقد كانت السفرة عامرة بـ "عروس" السفرة السعودية و"شيختها" وأسماء أخرى بعضها غريبة. كان ذلك حوالي الحادية عشرة ليلاً، وللأسف فقد كان كل الحضور من الأطباء دون استثناء. والغريب أنهم أقبلوا على السفرة، فمنهم من خاض فيها خوضا! ومنهم من يقول: ليس من المنصوح به الإكثار.... ولكنه أيضاً كان يخوض!!
وقد نسي البعض من هذه النخبة أن هرمونات النشاط والطاقة والهرمونات المتعلقة بحرق السعرات الحرارية تكون في أدنى مستوياتها في الدم، فهذه الهرمونات تمسي في"سبات" يبدأ بعد الثامنة مساءاً ويستمر حتى صباح الغد، فيلجأ الجسم في هذه الفترة إلى تخزين هذه السعرات على هيئة شحوم لعل الفرصة تتاح لحرقها من الغد.
هل أقص عليكم قصصاً أخرى عن السفرة السعودية في المؤتمرات والمناسبات "الصحية" وغير "الصحية" أم أتساءل معكم: هل كمية ونوعية وتوقيت الأكل عندنا تنبع من حاجة أم أنها ثقافة مجتمع؟ وهل يمكن تغييرها؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الوضع؟ أم أسأل: كيف سيأتي التغيير؟ قد يسأل سائل: كيف نتحدث عن السفرة
السعودية في وقت طالت فيه العولمة كل شيء حتى الغذاء؟ تجيب منظمة الصحة العالمية على هذا السؤال بأنها مع ذلك لا زالت تمتدح أنماط التغذية (أو السفرة) في شرق المتوسط، حيث نجد "عرائس" و"شيخات" مختلفين يسمون التبولة والفتوش والزعتر الأخضر .... فهذه الوجبات مليئة بالخضار الطازجة ذات الألياف الغذائية، وغنية أيضا بالفيتامينات المضادة للأكسدة التي يرتبط استهلاكها بالوقاية من أمراض شرايين القلب التاجية.
ومن يحضر دعوات العشاء في مطاعم لبنان الكلاسيكية يجد أن العشاء يبدأ بحدود الثامنة مساء، ولا تحضرالمشويات والأغذية الأغنى بالدهون إلى السفرة إلا بعد أن يشبع المدعوون من المقبلات بمختلف أنواعها، فلا يكادون يجدون للمشويات مسلكا.
والوقفة مع السفرة السعودية بهذه المناسبة، وفي وقت يتزايد فيه الطلب على الوجبات السريعة، ومطاعم "الأكلات السعودية"، هذه الوقفة لها مبرر آخر. هو أن بعض الأغذية أكثر إجهادا للبنكرياس، كالنشويات والدهون والمقليات والمشويات، وتستدعي إفراز كمية أكبر من الإنسولين، فيؤدي الإكثار منها إلى تعجيل الإصابة بالنوع الثاني من الداء السكري.
وللقناعة التامة بأن الخطر كبير، والتغيير ضروري، فنحن بحاجة ماسة إلى أن يسهم معنا علماء التغذية في تحليل السفرة السعودية وما يُتناول فيها من حيث الكمية والنوعية والتوقيت. كما أن السلوك الغذائي لدينا بحاجة إلى تحليل لمعرفة ما الذي يمكن فعله لتغيير ثقافة الأكل عندنا.
أما المتخصصون في التوعية الصحية وتعزيز الصحة فمدعوون لدراسة الخبرات العالمية التي تناولت تجارب التغيير واستراتيجيات التوعية التي تسلكها المؤسسات والمراكز المتخصصة لإحداث تغيير على مستوى المجتمع في مثل هذه السلوكيات التي أعترف بصعوبة تغييرها، ومع ذلك فلابد من بذل الجهد.
أعتقد أن خارطة الطريق لتغيير السفرة السعودية لابد أن تنطلق من التوجيهات القرآنية والسنة النبوية في الأكل، مرورا بمطبخ ربة البيت السعودية، ذلك المطبخ الذي تُزف منه عروس السفرة بشكل يكاد يكون يوميا، ومرورا أيضا بالمناهج الدراسية والتربية الصحية المدرسية. والإعلام.
ولابد أن تصل تلك الخارطة بنا إلى سفرة تلتزم بالهرم الغذائي المنصوح به، وتعود إليها أكلات الجزيرة العربية الأصلية بديلاً عن الأرز الذي لم تنتج الجزيرة العربية في تاريخها شيئاً يذكر منه.
وفي رأي أيضا أن بداية التغيير الملموس والحقيقي يأتي مني ومنك -عزيزي القارئ- وغيرنا من الأفراد. فما الذي يحدث لو دعوت زملائي على العشاء، وقدمت لكل منهم طبقاً فيه ما ينصح به؛ الكثير من السلطات والخضار وقطعة لحم صغيرة وملعقتان من الأرز أو المكرونة، وطبقاً آخر من سلطة الفواكه وشيئ من اللبن حتى لا يمتلئ "شر وعاء"، وليبقى "ثلث لنَفَسه" ولماذا لا تعود الأكلات التقليدية المحضرة من البُر والحنطة وغيرها من الحبوب الكاملة إلى السفرة السعودية؟
إن سفرتنا السعودية ب"عروسها" و"شيختها" بحاجة إلى التغيير. ونحن لسنا مخيرين في ذلك، مثلما أننا لسنا مخيرين في دعوة الجميع إلى النشاط البدني والمشي وترك التدخين إذا أردنا أن يأتي اليوم العالمي للسكر والضغط والسمنة وهشاشة العظام وأمراض القلب ... إلخ بعد 10 سنوات وقد انخفضت نسبة المصابين بها بدلاً من أن ترتفع. والله الموفق


 0  0  1114
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:52 مساءً السبت 17 نوفمبر 2018.